المقريزي
222
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
كما هي ، وأهرام مصر وبرابيها وهي التي بناها هرميس الأوّل الذي تسميه العرب : إدريس ، وكان قد ألهمه اللّه علم النجوم ، فدلته على أنه سينزل بالأرض آفة وأنه سيبقى بقية من العالم يحتاجون فيها إلى علم ، فبنى هو وأهل عصره الأهرام والبرابي وكتب علمه فيها . وقال أبو الصلت الأندلسيّ في رسالته : وقد ذكر أخلاق أهل مصر ، إلا أنه يظهر من أمرهم أنه كان فيهم طائفة من ذوي المعارف والعلوم ، وخصوصا علم الهندسة والنجوم ، ويدل على ذلك ما خلفوه من الصنائع البديعة المعجزة كالأهرام والبرابي ، فإنها من الآثار التي حيرت الأذهان الثاقبة ، واستعجزت الأفكار الراجحة ، وتركت لها شغلا بالتعجب منها والتفكر فيها ، وفي مثلها يقول أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري من قصيدته التي يرثي بها أباه : تضلّ العقول الهبرزيات رشدها * ولا يسلم الرأي القويم من الأفن وقد كان أرباب الفصاحة كلما * رأوا حسنا عدّوه من صنعة الجن وأيّ شيء أعجب ، وأغرب بعد مقدورات اللّه عز وجلّ ، ومصنوعاته من القدرة على بناء جسم جسيم من أعظم الحجارة مربع القاعدة مخروط الشكل ، ارتفاع عموده ثلاثمائة ذراع وتسعة عشر ذراعا يحيط به أربعة سطوح مثلثات متساويات الأضلاع طول كل ضلع منها : أربعمائة ذراع وستون ، وهو مع العظم من أحكام الصنعة وإتقان الهندام ، وحسن التقدير بحيث لم يتأثر إلى هلم جرّا بعصف الرياح وهطل السحاب ، وزعزعة الزلازل وهذه صفة كل واحد من الهرمين المحاذيين للفسطاط من الجانب الغربيّ على ما شاهدناه منهما . وقد ذكرت عجائب مصر وإن ما على وجه الأرض بنية إلا وأنا أرثي لها من الليل والنهار إلّا الهرمان فأنا أرثي لليل والنهار منهما ، وهذان الهرمان لهما إشراف على أرض مصر وإطلال على بطائحها ، وإصعاد في جوفها وهما اللذان أراد أبو الطيب المتنبي بقوله شعر : أين الذي الهرمان من بنيانه * ما قومه ما يومه ما المصرع تتخلف الآثار عن سكانها * حينا ويدركها الفناء فتتبع واتفق يوما إنا خرجنا إليهما فلما طفنا بهما واستدرنا حولهما ، كثر التعجب منهما فقال بعضنا : بعيشك هل أبصرت أعجب منظرا * على طول ما أبصرت من هرمي مصر أنافا عنانا للسماء وأشرفا * على الجوّ إشراف السماك أو النسر وقد وافينا نشزا من الأرض عاليا * كأنهما نهدان قاما على صدر وزعم قوم : إنّ الأهرام قبور ملوك عظام آثروا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد